الإفتتاحية

ليس من حاجة للإنسان أن يكون عالمًا كي يلاحظ بديهية مفادها: أن كل إنسان يقف بين زمنين أفقيين مستويين: الماضي والمستقبل. لكن الصعوبة تبدأ باختلاف تأثره بينهما، فبعض الناس يميل إلى الماضي بحيث يصير سجينا فيه، فينغلق عندئذ كل مستقبل، ولا يصبح سوى تكرار بل مخاوف ورغبات من الماضي. هذا الإنسان لا يمكن له أن يبتسم لأي حرية أو تفاؤل، وهذا سبب سقوط الناس في أقسى أشكال العبودية، إنه صاحب طريق واحد مسدود، لا يعطي أي فرصة لتغيير المسار.
لكن الإيمان الحقيقي يغير نظرة الإنسان إلى حياته وماضيه خصوصًا، فيدعوه إلى التفكير وتجنب أي إسقاط أعمى من الماضي على الحاضر والمستقبل. وهذا يسبب إحجام الكثيرين عن مسار الإيمان بل مقاومته، فيقصر في البداية على جماعة صغيرة تحاول أن تبشر وتنتشر بالإقناع. لكن ما أن أتصير هذه الجماعة قوية وقديمة، حتى تتهددها، هي أيضًا رغبة بالماضي والعودة إليه. وهنا تظهر المثاليات والتفاوت بين القول والفعل كما يقول يسوع عن الكتبة والفريسيين: "إفعلوا ما يقولونه لكم واحفظوه، لكن أفعالهم لا تفعلوا لأنهم يقولون ولا يفعلون" (متى 23/3)، فالإيمان لا توقفه أفعال المسيئين، بل هناك، برغم عزلة المؤمن مسار في منهج الرب، الذي، كما يقول القديس برنارد مؤسس دير كليرفو (1090-1153): "عندما يخطو الإنسان خطوة، يخطو الله عشر خطوات نحوه"، فالرب بسخائه يقيّم خطوة الإنسان نحوه ويغمره بالنعم، كما فعل مع زكا العشار ودخل بيته.
كما يكشف من يسير في طريق الإيمان سوء فهم حتى من المقربين إليه، بحيث يبدو للمؤمن ضرورة الإبتعاد عنهم وعن أي صورة نمطية تحبسه. فالإيمان إذن عبور (يشبه مراحل عمر الفرد) فيمر من حالة إلى أخرى، ويعبر إلى وضوح الوعي ليقترب من حاضر جديد كان القديس غريغوريوس النيزينزي (335-390م) يقول عنه "إنه عبور من جديد إلى جديد نحو جديد لا نهاية له".
هكذا تصدمنا كل علاقة - مع الله فقط - بمتغيراتها وهذا طبيعي، فعندما يطلب أحد التلاميذ من يسوع الإذن بدفن أبيه، نستغرب قسوة جواب يسوع: "إتبعني ودع الموتى يدفنون موتاهم" (متى 8/22)، هنا قد يتشكك بعضهم فيرون الجزء الثاني من الجملة ولا يرون "إتبعني"، أي حالة الحاضر الآن، فيسوع لا يتحمّل التأجيل، أما التعلق بالأهل والتقاليد والأعراف الإجتماعية فهي من الماضي، لذا يحتاج التلميذ إلى شجاعة وفهم دوافع داخله، فيكمل يسوع قائلا: "من وضع يده على المحراث ونظر إلى الوراء لا يصلح لملكوت الله".
خطر التعلق بالماضي إذن أن
يَسجن، لكن المستقبل أيضًا يسجن في القلق مثلا، وهنا ينصح يسوع: "لا يهمّكم أمر
الغد، فالغد يهتم بنفسه، ولكل يوم من المتاعب ما يكفيه" (متى 6/34)، إنها نصيحة
نفسية، فيفهم المؤمن أن الله حاضر في الحاضر، كما يقول الفيلسوف سورين كيركغارد
(1813-1855): "ليس للمطلق سوى حالة واحدة، هي الحاضر"، "فالآن هو أوان الله". لذا
فالإيمان يعني أني حاضر، معاصر للحي القائل: "أنا معكم طوال الأيام إلى انقضاء
العالم". وهذا مسار تربوي وتدريب على تلمس ما في الحضور من حضور لمن قال: "إذا
اجتمع 2 أو 3 باسمي
فأنا بينهم"، حضوره ليس أفقيا، كما نحن لبعضنا البعض، وهذا
أيضًا قد يصبح سجنًا وعبودية فنخاف من الآخر ونخيفه، يصبح الحاضر ثقيلا مليئًا
بحنين وندم على الماضي، أو بآمال تافهة وقلق من صعوبات المستقبل، مما يؤخر التحرّر،
وهنا يهرب غالبيتنا من الحاضر. كامرأة لوط إلتفتت لترى احتراق سدوم فأصبحت تمثال
ملح (تك 6/17)، هذه ليست مجرد أسطورة بل نصيحة، لا تتعلق بشكل الحاضر، ولا تحاول
الإمساك به، بل أعبر ولا تبقي ما يحجب الرؤية الواضحة أمامك للمواجهة (باليونانية
باريسيّا).
الإيمان إذن رغبة بالمواجهة تفتح طريق الوجود، فيتجاوز الزمن ويوصل إلى ما هو أزلي في حاضر الله، كما قال المعلم إيكارت (1260-1327): "إلهنا حاضر، فينبغي عليه أن يجدك حاضرًا ويأخذك ويستقبلك، لا كما كنتَ، ولكن كما أنت الآن". أي لا تأتي مثقلا بمشاعر الذنب أو النقص من الماضي، ولا تهرب نحو مستقبل مبهم لا تعرف عنه سوى الأوهام. فالإيمان إعداد للنهاية يكشف حضور الله الآن بيننا، وهو "طريق وحق وحياة"، لكل من يخطو ويبحث ويفهم، فيستيقظ الآن إلى وجود آخر لم يكن يعرفه.
مع ذلك هنالك صعوبة في التوفيق بين حضور ملكوت الله في هذا الزمان وبين نداء "تبارك الآتي باسم الرب"، وآخر جملة في الكتاب المقدس هي: "تعال أيها الرب يسوع" (رؤ 22/20). وهذه دعوة لكل جيل ليتمرس على الحاضر فينكشف تدريجيًا حضور الله في تاريخ كل فرد وجماعة، على شكل إعادة صياغة جديدة لفحوى الإيمان، فننقله إلى بعضنا على قدر ما نفهم، وهنا يحتاج البعض إلى التخلص من تكرار الماضي برتابة والبقاء فيه، والآخر يقع سجينًا في أوهام المستقبل فيسوده يأس الإنتظار، كل البدع وقعت إما في الأول أو في الثاني. لكن المؤمن يحاول أن يمسك العصا من الوسط، فيقف على أرض الواقع، ليرى أن الملكوت ليس مكانًا ولا زمانًا، إنما هو حالة وهويّة، يكمن فيها وعي بسر الله، كما قال يسوع بخصوص الكسيح الذي شفاه: "الحق الحق أقول لكم، ستجيء ساعة، بل جاءت الآن، يسمع فيها الأموات صوت ابن الله، وكل من يصغي إليه يحيا" (يو 5/25)، لأنه يريد تجديد الأرض، فيقول لهم: "لا تخف أيها القطيع الصغير، فقد شاء أبوكم أن يمنحكم الملكوت" (لو 12/32).
حضور الله هذا يتجلى في وجه الآخر، خصوصًا إن كان قريبًا، والقريب ليس ابن عائلتي فقط، بل هو كل من يشعر بقيمة هذا الحضور: "الآن وهنا في هذا المكان"، في وجه القريب أستطيع أن أعبد الرب وأسافر نحوه، فهو خير ما أقرّبه لله (متى 5/23) فيه يصبح الله حاضرًا، أتعرف عليه بيقظة ووعي، والواعي لا يحتاج إلى كلام ولا إلى شرح كثير.
لذا، كان سوء الفهم بين الأديان بسبب جدل وتشديد على ما ينبغي فعله في الحاضر، فاختلفوا. بعضهم يئس وآخر فقد الرجاء مثل مرتا أخت لعازر عاتبت يسوع قائلة: "لو كنت هنا يا سيد، ما مات أخي"، فقال لها: "سيقوم أخوكِ"، فأجابت: "أعلم أنه سيقوم في القيامة، في اليوم الأخير" (يو 11/24)، أي لا يهمني المستقبل، فالجميع سيقوم، لكن أنا أريد أخي الآن، كقول الشاعر: "إذا مت ظمآن فلا هطل الطل"، أي عقلية مرتا مثل من يقول: "عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة"، أو "أطعمني اليوم وأشبعني غدًا". الناس تريد أشياء عملية، سئمت وعود السياسيين، لكن موضوع الإيمان يختلف، فجواب يسوع لمرتا قاطع: "أنا القيامة والحياة من آمن بي يحيا وإن مات وكل من يحيا مؤمنًا بي لا يموت أبدًا" (يو 11/25)، هذا الحاضر أزلي جعل يسوع يقول: "قبل أن يكون إبراهيم أنا موجود" (يو 8/58).
قبل سنوات كنتُ في زيارة إلى مدينة أشبيلية في اسبانيا، وزرت الجامع الشهير الذي فيه مئات الأعمدة، كأنها غابة لا نظام فيها، لكن الدليل أخذني إلى نقطة فيه وقال أنظر من هنا، فبدا لي كل شيء متناسقا. علمتني هذه الخبرة أن المسألة كلها تكمن في المنظور الذي ننظر منه إلى الماضي والحاضر والمستقبل، فالمنظور يكشف السر الكامن في الزمان، بمثابة مفتاح يجعلنا نفهم كل شيء ونقرأ معنى العلامات. لذا في صلاة الأبانا نطلب "ليأت ملكوتك"، أي الآن وهنا، وهذا توسل ورجاء عميق، يضعنا في منظور يتعدى الزمن، بصلاة ديانة صادقة لا تتواطأ ولا تقع في إعجاب تافه بالماضي، ولا في وهم في المستقبل ولا في حيرة الحاضر الذي يجعل بعض الناس يتصورون أن "تراب البعيد دواء العيون". إن في "ليأت ملكوتك" بعد عمودي يفهمني موقعي أنا الآن في هذا الملكوت، فبعد قليل في نهاية صلاتي سأرى أنه في داخلي، وستبقى المشكلة لدى الغالبية في عدم يقظتهم إلى داخلهم. أي يبقون في ضبابية وعي متلبد، كالعنيد الذي يعتمد على رأيه ونفسه فقط فلا يرى غيرها. الإيمان دعوة لقيام أناس يصغون إلى الحياة، بكل ما فيها من معاني وجوانب وإمكانات فيختبرون فيهم فرح حضور مشرق وهادئ.